بقلم : الدكتور متعب بازياد
لم يعد الحديث عن الفيدرالية في اليمن مجرد نقاشٍ نظري يدور في أوساط النخب السياسية والثقافية، بل تحوّل إلى سؤال يرتبط مباشرة بمستقبل الدولة اليمنية وشكلها السياسي القادم. فبعد أكثر من عقد على اختتام مؤتمر الحوار الوطني، وما أعقبه من انقلاب على المسار السياسي وحرب مدمرة أضعفت مؤسسات الدولة ومزّقت بنيتها، عاد النقاش حول الدولة الاتحادية بوصفه استحقاقاً فرضته التحولات العميقة التي شهدها اليمن، لا مجرد خيار سياسي قابل للأخذ والرد.
منذ اعتماد مشروع الدولة الاتحادية باعتباره أبرز مخرجات مؤتمر الحوار الوطني مطلع عام 2014، دخل اليمنيون مرحلة جديدة من التفكير في طبيعة الدولة والعلاقة بين المركز والأطراف. آنذاك، بدت الفيدرالية محاولة جادة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي، وبناء دولة أكثر عدالة وتوازناً في توزيع السلطة والثروة، وأكثر قدرة على استيعاب التنوع الجغرافي والاجتماعي والسياسي.
وقبل أن تنقلب الأوضاع بفعل الحرب، كان الجدل حول الفيدرالية يجري في إطار سياسي وفكري مشروع، تتقارع فيه الحجج بين أنصار الدولة الاتحادية والمدافعين عن نموذج الدولة المركزية. غير أن القوى الرافضة للتحول الاتحادي سرعان ما غادرت ساحة الحوار إلى ميدان القوة، محاولة فرض إرادتها السياسية بالسلاح، مستندة إلى النفوذ الذي راكمته الدولة المركزية خلال عقود طويلة.
واليوم، وبعد سنوات من الحرب والانقسام وتآكل مؤسسات الدولة، يبرز سؤال جوهري: هل ما يزال خيار الغلبة العسكرية ممكنًا؟ وهل تخلّى اليمنيون عن مشروع الإصلاح السياسي الذي حملته مخرجات الحوار الوطني؟ أم أن الحرب نفسها أعادت إنتاج القناعة بأن الدولة المركزية لم تعد قادرة على إدارة اليمن أو الحفاظ على تماسكه؟
لقد كشفت السنوات الماضية بوضوح حجم الفشل البنيوي الذي أصاب نموذج الحكم المركزي، سواء قبل الوحدة أو بعدها. فقد عجزت الدولة المركزية عن إدارة التنوع الجغرافي والاجتماعي والسياسي، وتحولت السلطة تدريجيًا إلى أداة احتكار وهيمنة تُدار بمنطق الغلبة وتقاسم النفوذ، لا بمنطق الشراكة الوطنية.
ومع مرور الوقت، أنتج هذا النموذج اختلالات عميقة في توزيع الثروة والسلطة، ورسّخ ثقافة الإقصاء والتهميش، وخلق بيئات مشحونة بالمظالم والصراعات المحلية، الأمر الذي ساهم في إضعاف الثقة بين المجتمع والدولة.
في مقابل معسكر المركزية، لا تطرح الفيدرالية اليوم باعتبارها تسوية سياسية مؤقتة، بل بوصفها خيارًا واقعيًا لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تضمن قدرًا أكبر من الشراكة السياسية والإدارية، وتمنح الأقاليم والمحافظات مساحة أوسع لإدارة شؤونها المحلية ضمن إطار الدولة الواحدة.
الفيدرالية، في جوهرها، ليست مشروع تقسيم كما يحاول البعض تصويرها، بل صيغة دستورية حديثة لتنظيم العلاقة بين مستويات الحكم المختلفة داخل دولة موحدة ذات سيادة. وهي تقوم على توزيع واضح للسلطات بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية والادارات المحلية، بما يحقق التوازن بين وحدة الدولة وحق المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها.
لكن نجاح أي نموذج اتحادي لا يرتبط بالشكل الدستوري وحده، بل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، ومؤسسات قادرة على إدارة التنوع والخلافات، إضافة إلى نظام عادل لتوزيع العوائد الضريبية والجمركية والثروات السيادية.
وفي الحالة اليمنية، يتداخل النقاش حول الفيدرالية بصورة مباشرة مع ملفات شديدة الحساسية، أبرزها ملف الأمن والجيش، وآليات توزيع الموارد السيادية، وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم. فقد أثبتت تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية لا يمكن فصلها عن تصور شكل الدولة وطبيعة النظام السياسي.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة لحسم التصور المستقبلي لشكل الدولة، ولو بصورة أولية، قبل الدخول في تفاصيل إعادة هيكلة المؤسسات السيادية والمالية، حتى يصبح النقاش أكثر اتساقًا وواقعية.
كما أن اختزال الفيدرالية في مسألة عدد الأقاليم وحدودها يفرغها من مضمونها الحقيقي باعتبارها مشروعًا متكاملًا للإصلاح الإداري والسياسي والمالي. فالدولة الاتحادية ليست مجرد خرائط جغرافية، بل منظومة حكم حديثة تتطلب إصلاحات عميقة في الإدارة العامة والمالية وآليات الرقابة والمساءلة، إلى جانب بناء مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية بعقيدة جديدة.
وفي ظل التحولات التي أفرزتها الحرب، وصعود مراكز نفوذ محلية وإقليمية باتت تمتلك حضورًا سياسيًا ومجتمعيًا واضحًا، لم يعد ممكنًا القفز على تطلعات المجتمعات المحلية أو تجاهل مطالبها بالمشاركة الفعلية في إدارة شؤونها.
لذلك، فإن أي نقاش جاد حول مستقبل اليمن لا بد أن ينطلق من الاعتراف بالواقع الجديد، والعمل على تحويله من مصدر للصراع إلى إطار منظم للشراكة الوطنية.
الفيدرالية او النظام الاتحادي ، ليس وصفة مثالية تنهي كل الأزمات، لكنه أقل الخيارات كلفة وأكثرها واقعية لبناء دولة عدالة ومواطنة متساوية، تتسع للجميع، وتقوم على الشراكة بدل الهيمنة، وعلى العدالة بدل الاحتكار، وعلى التوازن بدل المركزية المفرطة التي أثبتت التجربة فشلها التاريخي في اليمن.
