عدن : خاص
في خطوة تعكس حجم التحديات التي تواجه الدولة في ظل حرب استنزافية متواصلة، عُقد يوم الاثنين الماضى 18 من أغسطس في ديوان النيابة العامة بالعاصمة المؤقتة عدن اجتماع موسع برئاسة النائب العام القاضي قاهر مصطفى علي، ضم ممثلين عن أجهزة إنفاذ القانون والهيئات الرقابية المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب مندوبي عدد من الجهات الحكومية والأمنية ذات الصلة.
23 قراراً منذ 2020: خارطة بالأسماء والكيانات
الاجتماع وقف على حصيلة القرارات الصادرة بين 2020 – 2025، والتي بلغت (23) قراراً، بموجبها جرى تجميد أموال وحظر التعامل مع 303 أفراد و83 كياناً و12 سفينة، إضافة إلى رفع أسماء 6 أفراد من قوائم العقوبات والتجميد. هذه الأرقام تعكس اتساع شبكات التمويل التي تنشط تحت عناوين متعددة، وتتقاطع في جوهرها مع اقتصاد الحرب الذي يديره الحوثيون والتنظيمات الإرهابية الأخرى.
البعد القانوني والسياسي: من الأمم المتحدة إلى مجلس القيادة
جاءت هذه الإجراءات تنفيذاً لقرارات دولية ووطنية، أبرزها قرار مجلس الأمن رقم (2624) لعام 2022 الذي صنف جماعة الحوثي كجماعة إرهابية، وقرار مجلس الدفاع الوطني رقم (1) للعام ذاته، وقرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (8) لعام 2024، الذي ألزم جميع المؤسسات بتفعيل إجراءات التصنيف. هذا التتابع في القرارات يشير إلى إرادة سياسية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يضع الأجهزة الرقابية أمام مسؤولية مباشرة: تحويل النصوص إلى واقع تطبيقي.
صراحة غير معتادة وتحذير من الانهيار
خلال الاجتماع، لم يتردد النائب العام القاضي قاهر مصطفى في توجيه تحذيرات صريحة: إن غياب المكاشفة والجدية في مواجهة التحديات سيقود حتماً إلى “الانهيار التام لمؤسسات الدولة وتدمير الاقتصاد وتقويض كامل للسلطات الشرعية”. هذا التصريح اللافت يعكس إدراكاً أن المعركة مع الإرهاب ليست فقط في الجبهات، بل في حماية النظام المالي والاقتصادي من الاختراق.
عقبات حقيقية في الميدان
المداخلات التي شهدها الاجتماع كشفت عن عقبات عدة: ضعف التنسيق بين الأجهزة، نقص الإمكانيات الفنية، إضافة إلى صعوبة تتبع الأموال في ظل انقسام مؤسسات الدولة وتعدد مراكز النفوذ. وهو ما يجعل مواجهة غسل الأموال قضية تتجاوز القانون لتصل إلى بنية الدولة نفسها، بما يفرض إعادة بناء آليات التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات.
التعاون الدولي:
الفرصة والتحدي
أجمع المشاركون على ضرورة تعزيز التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة، خصوصاً في ما يتعلق بتبادل البيانات المالية وملاحقة شبكات التحويل غير النظامية، التي تمثل شرياناً أساسياً لتمويل الحوثيين والتنظيمات الإرهابية. هذا التوجه يفتح الباب أمام اختبار حقيقي لقدرة الأجهزة اليمنية على استثمار الدعم الدولي وتحويله إلى أدوات عملية لقطع شرايين اقتصاد الحرب.
بين الاجتماع والواقع
رغم الأهمية الرمزية والسياسية لهذا الاجتماع، إلا أن السؤال المركزي يبقى: هل يمكن لهذه القرارات أن تنتقل من خانة التوصيات إلى حيز التنفيذ؟ التجارب السابقة أظهرت أن الاجتماعات وحدها لا تكفي، ما لم تُترجم إلى إجراءات ملموسة، تشمل تطوير البنية القانونية، وتزويد الأجهزة بالقدرات الفنية، والأهم: تحييد النفوذ السياسي عن عمل مؤسسات الدولة …
